أصدر المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية العدد الثالث والعشرين من مجلة البحث الموسيقي، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة». ويستعرض هذا العدد تحولات الثقافة الموسيقية العربية في ظل التطورات التقنية والثقافية التي شهدها العالم منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم.
وفي افتتاحية العدد، أشار رئيس هيئة التحرير الدكتور نبيل الدراس إلى أن الموسيقى العربية المعاصرة تأثرت بشكل واضح بالتحولات التكنولوجية والإعلامية التي أعادت تشكيل أنماط الإنتاج الموسيقي وطرق حفظه ونقله، إضافة إلى تغير علاقة الجمهور بالموسيقى نتيجة انتشار وسائل الإعلام الحديثة والوسائط الرقمية.
ويؤكد العدد أن التقدم العلمي والتقني أسهم في ظهور أساليب جديدة في الإبداع الموسيقي، من خلال توظيف الآلات الإلكترونية وأنظمة الصوت الاصطناعية، فضلاً عن بروز مهن حديثة مرتبطة بالموسيقى مثل هندسة الصوت والإنتاج والتوزيع الموسيقي. كما أدى تطور الإعلام وثقافة الاستهلاك إلى بروز أشكال جديدة من الثقافة الموسيقية الجماهيرية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الترفيه والتسويق والانتشار عبر الوسائط الرقمية.
كما يتناول العدد التحولات التي طرأت على ثقافة الاستماع لدى الجمهور، إذ أصبحت الوسائط التقنية مثل التسجيلات الصوتية والبث التلفزيوني والإنترنت جزءًا أساسيًا من تجربة الاستماع، ما أدى إلى تراجع الحفلات التقليدية وظهور أنماط جديدة من تلقي الموسيقى. ويشير العدد أيضًا إلى الحاجة إلى تحديث أنظمة التعليم الموسيقي بما يواكب التحولات الرقمية والتقنية في مجال الموسيقى.
ويتضمن العدد سبع دراسات علمية تتناول قضايا متنوعة في الموسيقى العربية، من بينها دراسة للباحث التونسي بوعزيز سمحون حول ظاهرة «التويزة» في ريف أولاد صالح بمنطقة الرقاب، باعتبارها ممارسة تجمع بين الغناء والعمل الجماعي لدى النساء، في إطار مقاربة أنثروبوموسيقية تبحث العلاقة بين الفن والعمل وأثرها الاجتماعي والنفسي.
كما تقدم الباحثة اللبنانية كلير خوري دراسة حول الخصائص الصوتية للمطربة سعاد محمد، متوقفة عند عناصر أدائها مثل المدى الصوتي الواسع والتحكم في النفس والمرونة التعبيرية، مع إبراز تأثير المدرسة الكلثومية في أسلوبها الغنائي.
وفي سياق الحفاظ على التراث الموسيقي، تقترح الباحثة ميرنا زغيب مشروع منصة رقمية تفاعلية لتوثيق الزجل اللبناني، بهدف حفظ هذا التراث الشفهي وإتاحته للأجيال الجديدة عبر أدوات رقمية حديثة.
من جانبه، يناقش الباحث التونسي وسيم جمعة في مقال بعنوان «أي مكانة للأغنية العربية في عصر الرقمنة؟» التحديات التي تواجه الأغنية العربية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، متناولًا تأثير التكنولوجيا في صناعة الموسيقى ومكانة الأغنية العربية في الفضاء الرقمي.
كما يسلط الباحث بديع الحاج الضوء على شخصية إسكندر شلفون، أحد رواد الموسيقى العربية الحديثة، الذي جمع بين التأليف الموسيقي والتعليم والنقد وأسّس أول معهد موسيقي خاص في مصر، إضافة إلى إطلاقه أول مجلة عربية متخصصة في الموسيقى.
ويتناول الباحث الفلسطيني معتصم عديلة واقع تدريس الموسيقى لذوي الإعاقة في فلسطين، مسلطًا الضوء على أهمية الموسيقى كوسيلة تعليمية وتأهيلية، إلى جانب التحديات التي تواجه هذا المجال في ظل محدودية الموارد والبنية التحتية.

