في أجواء ثقافية نابضة بالحياة، تستعد تونس لاحتضان الدورة الأربعين من معرض تونس الدولي للكتاب، الحدث الذي تحوّل على امتداد أربعة عقود إلى موعد سنوي يجمع عشّاق الكلمة والفكر. هذه الدورة، التي ستُقام من 23 أفريل إلى 3 ماي 2026 بـ قصر المعارض بالكرم، لا تأتي كامتداد عادي للدورات السابقة، بل تحمل طابعًا استثنائيًا يمزج بين رمزية التاريخ ورهانات المستقبل، في مشهد يعكس حيوية الساحة الثقافية التونسية وانفتاحها على العالم.
وقد كشفت الهيئة المديرة، خلال ندوة صحفية احتضنها قصر الفنون والآداب بالقصر السعيد، عن ملامح هذه الدورة التي تراهن على التجديد دون التفريط في الأصالة. وفي هذا السياق، جاء اختيار الفنان التشكيلي العالمي نجا المهداوي لتصميم الهوية البصرية كإشارة فنية قوية، تحتفي بجمالية الحرف العربي وتعيد تقديمه في صيغة معاصرة تتجاوز حدود اللغة نحو أفق بصري كوني، في انسجام تام مع روح المعرض الذي ظلّ دائمًا فضاءً للتلاقي بين الفنون.
ولا يقتصر هذا الحدث على رمزيته الثقافية فحسب، بل يتجلى أيضًا في حجمه الدولي اللافت، حيث يشارك فيه مئات الناشرين من تونس وخارجها، إلى جانب حضور عشرات الدول، ما يحوّل المعرض إلى منصة حقيقية للحوار بين الثقافات. وتأتي إندونيسيا كضيف شرف لهذه الدورة، حاملة معها ثراءها الأدبي والفني، في خطوة تعكس توجّهًا واضحًا نحو الانفتاح على التجارب الثقافية الآسيوية وتعزيز التبادل الثقافي في أبعاده المختلفة.
ويقدّم المعرض برنامجًا فكريًا متنوعًا يواكب تحوّلات المشهد الثقافي، حيث تتقاطع فيه قضايا الأدب والفلسفة والفنون، من خلال ندوات تناقش تحولات الخط العربي، والعلاقة بين الرواية والسينما، إلى جانب إشكاليات الترجمة وأسئلة الملكية الفكرية في العصر الرقمي. كما يحضر فكر ابن رشد في هذه الدورة، في استحضار لرمز من رموز العقلانية، ضمن رؤية تسعى إلى ربط التراث بأسئلة الحاضر.
وفي سياق دعم الإبداع، يواصل المعرض تقاليده في تكريم الكتّاب والمفكرين من خلال جوائز تُمنح لأعمال متميزة في مجالات الأدب والفكر والترجمة، في خطوة تهدف إلى تحفيز الإنتاج الثقافي وإثراء المشهد المعرفي الوطني. كما يحظى الطفل بمكانة خاصة ضمن هذه التظاهرة، حيث يشهد فضاؤه تطويرًا نوعيًا يمزج بين متعة القراءة والتقنيات التفاعلية، في محاولة لترسيخ علاقة جديدة بين الأجيال الصاعدة والكتاب.
هكذا، تؤكد الدورة الأربعون من معرض تونس الدولي للكتاب أن الكلمة ما تزال قادرة على جمع الناس حولها، وأن الثقافة تظلّ فضاءً مفتوحًا للحوار والإبداع، مهما تغيّرت الوسائط وتبدّلت الأزمنة. إنها لحظة احتفاء بالكتاب، ولكنها أيضًا احتفاء بتونس كمنارة ثقافية تواصل إشعاعها بثبات نحو المستقبل.


Leave feedback about this