مسرحية «في بطن الحوت» للكاتبة مروى المناعي تأخذ القارئ والمشاهد في رحلة داخل النفس البشرية، كما لو أنها غوص في أعماق البحر، أو كما لو أن الشخصيات وُضعت في فضاء رمزي مظلم يضيئه وهج الذكريات والأسئلة. تتقاطع في هذا العمل المسرحي مشاعر الألم والأمل، الشك واليقين، الحب والخسارة، في انسجام سردي يمزج بين النص الدرامي والرمزية الشعرية.
تنطلق المسرحية من لحظة مواجهة أو تجربة شخصية لتنتقل بالمشاهد إلى صراعات داخلية متعددة: صراع الإنسان مع ذاته، مع ذكرياته، مع مخاوفه، ومع الحياة التي لا تقدم إجابات جاهزة. داخل هذا «البطن» الرمزي، حيث تختبر الشخصيات شعور الانعزال، تتكشف طبقات من الوعي تتصارع فيها قيم الثقة والخوف، الحرية والقيود، والانتماء والاغتراب.
أسلوب مروى المناعي في المسرحية يميل إلى التأمل الفلسفي والشعري في الوقت ذاته؛ فهي لا تركز فقط على حدث واحد، بل تضيء على لحظات متداخلة من الوعي، تستحضر فيها صورًا وجملًا قصيرة لكنها ذات وقع قوي. الكلمات في النص المسرحي تمنح مساحة واسعة للممثل وللمشاهد للتأمل، كما يهمس البحر لأصداف الشاطئ في كل موجة.
ومع تقدم الأحداث، يتحول «البطن» من مكان للعزل إلى مسرح للتحرر: تتعلم الشخصيات – والمشاهد معها – أن مواجهة الخوف والظلال داخل النفس هي الطريق إلى الخروج، وأن المعرفة الذاتية لا تُكتسب إلا بالغوص في أعماق الروح. وهنا تتلاقى الرؤية مع رمزية الحوت في التراث القصصي؛ ككائن يحمل بين ضلوعه أسرارًا لا تُفصح إلا لمن يجرؤ على الغوص.
تنتهي المسرحية بإحساسٍ من النضج والرضا الواعي: لا نهاية قطعية، بل نهاية تتسع لتكون بداية جديدة. وهكذا تصبح «في بطن الحوت» نصًا مسرحيًا يعكس قدرة الإنسان على الإبحار في ذاته، وعلى أن يولد من جديد بعد كل صراع، كما يولد الضوء من قلب الظلام.


Leave feedback about this